الغزالي
59
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
فإن قيل : فلم لا ترى النفس فإن في رؤيتها ما يدل على صحة وجودها وهلا تخيلناها . قلنا : فهاتان مسألتان أحدهما لم لا ترى ، والثانية لم لا تتخيل . فالجواب عن أحدهما وهي لم لا ترى بثلاثة أجوبة : أحدها : أن كل موجود ليس من شرطه أن يرى . إذ صحة وجود الموجود لا تستدعي أن يكون مرئيا فإن الأحوال اللازمة للشيء إما أن تكون ذاتية وإما أن تكون عرضية ، والموجود من الأحوال اللازمة ذاتي وكونه مرئيا عرضي له إذ يثبت وجود الموجود مع عدم من يراه ، ومع ذلك يثبت الموجود ولا يبطل وجود عدم الرائي له . والدليل على ذلك وجود البارئ سبحانه وتعالى في الأزل لا إلى نهاية ولم ير حتى الآن وذلك لا يبطل وجوده . نعم يستدعي الوجود أن يثبت له ما يصحح وجوده والشيء قد يستدل عليه إما بقضايا عقلية وإما بأثر يثبت للحس فيقضي عليه . وقد شاهدنا آثار النفس ووجود أنفسنا بالضرورة ، وعلمنا أن في أجسامنا معنى يزيد عليها بالضرورة إذ يبقى الجسم ولا روح له ويكون الجنين تاما في الشهر الرابع ولا روح له . الجواب الثاني : أن المرئي يجب أن يكون من الرائي في جهة وعلى مسافة ويكون قابلا للألوان إذ هي العلة في إظهار المبصرات . وإننا قلنا إن النفس لا تقبل الألوان إذ اللون مركب من أمور تجتمع . الجواب الثالث : أن المرئي لا بدّ أن يكون في حيز ، وسنقيم الدليل على أن القوة العقلية لا حيز لها . الفصل الثاني في كون النفس جوهرا النفس جوهر قائم بنفسه ولا بدّ من كشف هذه العبارة . فنقول : النفس تطلق على جهات فيقال للقوة الغازية نفس وكذلك المنمية وكذلك النباتية . وهذه أنفس وليست المراد في هذا الغرض . فأول النفوس النباتية ثم الغازية ثم النامية ثم الحيوانية . وهذه أول مراتب خروج فعل النفس من القوة إلى الفعل ، فالنفوس الحيوانية هي كمال جسم طبيعي بها يحس ويتحرك ، والبهيمة والإنسان يشتركان في هذه النفس ، وهذه النفس ، هي حرارة مودعة في النطفة ، ودم الطمث المجتمع في الرحم لها كالقالب ، فإذا أسقط المني على بقية دم يجتمع في الرحم انتشر عليه كالنتق في اللبن وعقده بحره فسخن وامتد بالحر من خارج وتزايدت الحرارة الغريزية . فأول ما يتكون القلب ثم تنتشر من العروق والعصب وينتقش ذلك الجزء فيه إلى أن تكمل أعضاء الجنين ، ومن يوم تسقط النطفة في الرحم إلى يوم خروجها مقدار ما تقطع الشمس ثلاثة أرباع الفلك . والنطفة تستمد الحر من جهة الأم والأم من الأغذية ، فإذا دخلت في الشهر التاسع صارت كالمفتول الخشن المشرب بالزيت الصافي في شدة الملاءمة والتأتي للاشتعال . وهذا مثل بل الأمر أغمض وأدق . فالنفس الحيوانية لباب الغذاء والنباتات والعناصر ، فإذا بلغت هذه الرتبة استحقت من الجود الإلهي نفسا . فحينئذ يوجد الرب تعالى قوة من عالم الأمر كما قال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . وقال تعالى : رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] . وقال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] . والعالم من محدب الفلك التاسع من الصفحة التي تلي جهة